أحمد بن محمد القسطلاني

375

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بعد انقضاء العدّة ( عبد الرحمن بن الزبير ) بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا القرظي ( إنما ) أي إن الذي ( معه مثل هدبة الثوب ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة طرفه الذي لم ينسج شبهوه بهدب العين وهو شعر جفنها ومرادها ذكره وشبهته بذلك لصغره أو استرخائه وعدم انتشاره . قال في العدة : والثاني أظهر ، وجزم به ابن الجوزي لأنه يبعد أن يبلغ في الصغر إلى حدّ لا تغيب منه الحشفة التي يحصل بها التحلل ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ) سبب هذا الاستفهام قول زوجها عبد الرحمن بن الزبير كما في مسلم أنها ناشز تريد رفاعة . قال الكرماني : وفي بعضها ترجعين بالنون على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملاً على ما أختها ( لا ) رجوع لك إلى رفاعة ( حتى تذوقي عسيلته ) أي عسيلة عبد الرحمن ( ويذوق ) هو أيضًا ( عسيلتك ) بضم العين وفتح السين المهملتين مصغرًا فيهما كناية عن الجماع فشبّه لذته بلذة العسل وحلاوته واستعار لها ذوقًا . وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا إن العسيلة هي الجماع . رواه الدارقطني فهو مجاز عن اللذة وقيل العسيلة ماء الرجل والنطفة تسمى العسيلة ، وحينئذٍ فلا مجاز لكن ضعف بأن الإنزال لا يشترط ، وإن قال به الحسن البصري ، وأنّث العسيلة لأنه شبّهها بالقطعة من العسل أو أن العسل في الأصل يذكّر ويؤنّث ، وإنما صغره إشارة إلى القدر القليل الذي يحصل به الحلّ قال : النووي واتفقوا على أن تغيب الحشفة في قبلها كافٍ من غير إنزال وقال ابن المنذر : في الحديث دلالة على أن الزوج الثاني إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها لا تحسّ باللذة أنها لا تحلّ للأوّل لأن الذوق أن تحسّ باللذة وعامّة أهل العلم أنها تحلّ . ( وأبو بكر ) الصديق رضي الله عنه ( جالس عنده ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وخالد بن سعيد بن العاص ) الأموي ( بالباب ) الشريف النبوي ( ينتظر أن يؤذن له فقال ) أي خالد وهو بالباب : ( يا أبا بكر ألا ) بفتح الهمزة وتخفيف اللام ( تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) من قولها : إنما معه مثل الهدبة وكأنه استعظم تلفظها بذلك بحضرته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وهذا موضع الترجمة لأن خالد بن سعيد أنكر على امرأة رفاعة ما كانت تتكلم به عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع كونه محجوبًا عنها خارج الباب ، ولم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك فاعتماد خالد على سماع صوتها حتى أنكر عليها هو حاصل ما يقع من شهادة السمع ولا معنى للإشهاد إلا الإسماع ، فإذا أسمعه فقد أشهده قصد ذلك أم لا ؟ وقد قال الله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } [ البقرة : 283 ] ولم يقل الإشهاد والسماع شهادة ولكن إذا صرّح المقرّ بالإشهاد فالأحسن أن يكتب الشاهد أشهدني بذلك فشهدت عليه حتى يخلص من الخلاف . وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة في النكاح والنسائي فيه وفي الطلاق . 4 - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَىْءٍ وَقَالَ آخَرُونَ مَا عَلِمْنَا بذَلِكَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلاَلٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ الْفَضْلُ : لَمْ يُصَلِّ ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلاَلٍ . كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ، يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ . هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا شهد شاهد ) بقضية ( أو ) شهد ( شهود بشيء فقال ) بالفاء ولأبي ذر قال : جماعة ( آخرون ما علمنا ذلك ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : بذلك ( يحكم بقول من شهد ) لأنه مثبت فيقدم على النافي ( قال الحميدي ) عبد الله بن الزبير المكي فيما وصله في الحج ( هذا ) أي الحكم ( كما أخبر بلال ) المؤذن ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلّى في ) جوف ( الكعبة ) عام الفتح ، ( وقال الفضل ) بن العباس ( لم يصلّ ) عليه الصلاة والسلام فيها ( فأخذ الناس بشهادة بلال ) فرجحوها على رواية الفضل لأن فيها زيادة علم وإطلاق الشهادة على إخبار بلال تجوّز . وقال الكرماني فإن قلت : ليس هذا من باب ما علمنا بل هما متنافيان لأن أحدهما قال : صلّى ، والآخر قال : لم يصلّ ؟ وأجاب : بأن قوله لم يصلِّ معناه أنه ما علم أنه صلّى قال ولعلّ الفضل كان مشتغلاً بالدعاء ونحوه فلم يره صلّى فنفاه عملاً بظنه . ( كذلك ) الحكم ( إن شهد شاهدان أن لفلان على فلان ألف درهم وشهد آخران بألف وخمسمائة ) مثلاً ( يقضي بالزيادة ) لأن عدم علم الغير لا يعارض علم من علمه ، ولأبي